السيد محمد مهدي الخرسان

44

موسوعة عبد الله بن عباس

الثانية : قال الشريف الرضي : « ومن كتاب له ( عليه السلام ) إلى عبد الله بن العباس ، وقد تقدم ذكره بخلاف هذه الرواية : أمّا بعد : فإنّ المرء ليفرح بالشيء الّذي لم يكن ليفوته ويحزن على الشيء الّذي لم يكن ليصيبه ، فلا يكن أفضل ما نلت في نفسك من دنياك بلوغ لذة أو شفاء غيظ ، ولكن إطفاء باطل أو إحياء حقّ ، وليكن سرورك بما قدّمت ، وأسفك على ما خلّفت ، وهمّك فيما بعد الموت » ( 1 ) . ورواه غير الشريف الرضي مَن كان قبله ، ومَن كان بعده بتفاوت يوحي بتعدد الروايات عند أصحاب المصادر ، ولما كان جوّ الكتاب وفحوى الخطاب يوحي بوقوع حَدَث استوجب حزن ابن عباس ، فكان الكتاب تسلية له عمّا فاته ، وموعظة له في شأن تقلّبات الحياة بأنّ عظة الإنسان واعتباره فيما بعد الموت . وفي بعض مصادر الكتاب ما يؤكد ذلك . فاليعقوبي في تاريخه ذكر سبب ذلك فقال : « وكتب أبو الأسود الدؤلي - وكان خليفة عبد الله بن عباس بالبصرة - إلى عليّ ( عليه السلام ) يعلمه أن عبد الله أخذ من بيت المال عشرة آلاف درهم ، فكتب إليه يأمره بردّها فامتنع ، فكتب يقسم له بالله لتردّنها ، فلمّا ردّها عبد الله بن عباس أو ردّ أكثرها كتب إليه عليّ ( عليه السلام ) : أمّا بعد فان المرء يسرّه ما لم يكن ليفوته ، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه ، فما أتاك من الدنيا فلا تكثر به فرحاً ، وما فاتك منها فلا تكثر عليه جزعاً ، واجعل همك لما بعد الموت والسلام . فكان ابن عباس يقول : ما اتعظت بكلام قط إتعاظي بكلام أمير المؤمنين » ( 2 ) .

--> ( 1 ) نفس المصدر 3 / 139 . ( 2 ) تاريخ اليعقوبي 2 / 181 ط النجف .